فوزي آل سيف

58

الأعظم بركة الإمام محمد الجواد

بل إنه يؤكد في هذا على أن «من كان عنده شيء من ذلك فليوصله إلى وكيله، ومن كان نائياً بعيد الشقّة فليتعمّد لإيصاله ولو بعد حين» ولينْوِ إيصاله ويخطط له فانّ نية المؤمن خير من عمله. وبمناسبة الحديث عن ضيق وضع الشيعة في زمان الإمام الجواد سنعرض إلى نقل صورة مختصرة عن وضع الإمام السياسي وشيعته في زمانه في نقاط: الأولى: أن الإمام الجواد عندما آلت إليه الإمامة، كان في زمان المأمون العباسي (تولى الحكم 198-218 ه‍) وقد مارس المأمون دورًا مزدوجًا شديد التعقيد مما جعل حقيقة شخصيته خافيةً على الكثير، وقد ذكرنا جانبًا من ذلك في كتابنا عن الإمام الرضا عليه السلام. وما يرتبط بنا هنا هو أن الإمام الرضا عليه السلام، قد أخبر المأمون - والذي كان من الناحية النظرية يعتقد بصدق أخبار الإمام وعلمه الخاص - بأن عليه أن يرعى ابنه الجواد وألا يعتدي عليه فإن نهايتهما متقاربة، ومتى ما انتهى عمر الجواد سينتهي عمر المأمون![128] وبالتالي فإذا كان يريد البقاء على قيد الحياة ويستمر فيها فليحذر إنهاء حياة الإمام الجواد. ولا ريب أن المأمون وأمثاله من الحاكمين يهمُّهم جدًا طول عمرهم واستمرار بقائهم، ومن جهة أخرى فإنه - لِما تبين له من صدق معارف الإمام الرضا - كان يعتقد أو لا أقل يظن بصدقه، ونحتمل أن هذا كان دافعًا له لكيلا يقوم بقتل الإمام الجواد، أو أنه اكتفى بقتل أبيه الرضا[129]عليه السلام. فمرت الأمور هادئة في زمان المأمون لا سيما وأنه قد ظهر له وعلى الملأ فضلُ الإمام الجواد في مناظراته المختلفة، ومناقشاته العلمية، وكان المأمون بواسطتها يكسر من غلواء الخط العباسي المعادي له شخصيًّا والذي كان يناصر أخاه الأمين سابقًا. بل عقد له على ابنته زينب أم الفضل، في المجلس الأول المشهور - الذي مر ذكره في صفحات سابقة - بعدما أفحم يحيى بن أكثم القاضي ومن وراءه، وإن كنا نعتقد أن الإمام عليه السلام قبل بذلك مجاراةً له. وربما نتعرض لبعض ذلك في الحياة الاسرية له. ساعد على ذلك أن المأمون كان مقتنعاً بالتوجهات العقلية في الإسلام، ويحسب على التيار المعتزلي[130] في آرائه، وقد أحاط نفسه بعدد من العلماء الذين عرف عنهم الفكر الاعتزالي، ولا شك أن الجوامع المشتركة بين المدرسة العقدية لأهل البيت والأخرى الاعتزالية كثيرة لو استثنينا موضوع الإمامة وما يتصل به. فكان كل نصر يتحقق للإمامية في هذا يمكن للمأمون أن يضمه إلى حسابه، سواء في مباحث التوحيد والعدل أو حتى الفضائل وقضايا الآخرة.

--> 128 الصدوق: عيون أخبار الرضا 2/٢٧٠.. فرفع الإمام طرفه إليه، ثمّ قال: أحسن يا أمير المؤمنين! معاشرة أبي جعفر عليه السلام فإنّ عمرك وعمره هكذا وجمع بين سبّابتيه. 129 المصدر السابق /٢٤٦ بسنده عن صفوان بن يحيى قال: لما مضى أبو الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام وتكلم الرضا عليه السلام خفنا عليه من ذلك.. قال صفوان: فأخبرنا الثقة أن يحيى بن خالد (البرمكي) قال للطاغي (هارون): هذا عليٌّ ابنه قد قعد وادعى الأمر لنفسه! فقال: ما يكفينا ما صنعنا بأبيه! تريد أن نقتلهم جميعًا؟ 130 المعتزلة: فرقة كلامية ظهرت في العصر الأموي ونشطت في العصر العباسي ولا سيما في زمان المأمون والمعتصم والواثق، ثم تراجعت في زمان المتوكل وقد غلبت على المعتزلة النزعةُ العقلية فاعتمدوا على العقل في تأسيس عقائدهم وقدموه على النقل، وقالوا بالفكر قبل السمع، ورفضوا الأحاديث التي لا يقرها العقل حسب وصفهم، وقالوا بوجوب معرفة الله بالعقل ولو لم يرد شرعٌ بذلك. وأنه إذا تعارض النص مع العقل قدموا العقل لأنه أصل النص، والحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل، فالعقل بذلك موجبٌ، وآمرٌ وناهٍ. ومن أهم آرائهم نفي رؤية الله، والقول بأن القرآن مخلوق: وقالوا إن الله كلم موسى بكلام أحدثه في الشجرة. ونفيهم علو الله، وتأولوا الاستواء، ونفيهم شفاعة النبي لأهل الكبائر من أمته. ونفيهم كرامات الأولياء، قالوا لو ثبتت كرامات الأولياء لاشتبه الولي بالنبي. عن الموسوعة الحرة /https://ar.wikipedia.org